محمد بن جرير الطبري
87
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ويستكرهها ، لان جل محاربه الترك انما هو بالخداع والمكر والمكايده ، وان اخشنوار امر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشره اذرع ، وعمقه عشرون ذراعا ، وغمى بخشب ضعاف ، والقى عليه ترابا ، ثم ارتحل في جنده ، فمضى غير بعيد ، فبلغ فيروز رحله اخشنوار بجنده من عسكره ، فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب ، فامر بضرب الطبول ، وركب في جنده في طلب اخشنوار وأصحابه ، فاغذوا السير ، وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه اقحموا على عماية ، فتردى فيه فيروز وعامه جنده ، وهلكوا من عند آخرهم . وان اخشنوار عطف على عسكر فيروز ، فاحتوى على كل شيء فيه ، وأسر موبذان موبذ ، وصارت فيروز دخت ابنه فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز ، وامر اخشنوار فاستخرجت جثه فيروز وجثه كل من سقط معه في ذلك الخندق ، فوضعت في النواويس ، ودعا اخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها ، فأبت عليه . وان خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس ، فارتجوا له وفزعوا ، حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تاهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ اخشنوار خبر مسيره لمحاربته ، فاستعد واقبل متلقيا له ، وارسل اليه يستخبره عن خبره ، ويسأله عن اسمه ومرتبته ، فأرسل انه رجل يقال له سوخرا ، ولمرتبته قارن ، وانه انما سار اليه لينتقم منه لفيروز ، فأرسل اليه اخشنوار يقول : ان سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثره جنوده من محاربته إياي الا الهلكة والبوار . فلم ينهنه سوخرا قول اخشنوار ، ولم يعبأ به ، وامر جنوده فاستعدوا وتسلحوا ، وزحف إلى اخشنوار لشدة اقدامه وحده قلبه ، فطلب موادعته وصلحه ،